من: فؤاد الحاج نقيب الأطباء البيطريين
إلى: حسن السبع وزير الداخلية والبلديات
70 % من عمليات ذبح الأبقار والأغنام والماعز والدجاج تكون خارج المسالخ المرخص لها، ما يعني أنه مشكوك بسلامتها الغذائية لأنها غير مراقبة من طبيب بيطري
الطبيب البيطري هو خط الدفاع الأول والمسؤول الوحيد والمباشر عن الأمن الغذائي في لبنان، وهو مراقب الغذاء من مصدره حتى طاولة الطعام، وهو حامي المواطن من الأمراض المشتركة... ويتوقف هذا النوع من الأمن على وجود طبيب بيطري في الأماكن التي يجب أن تكون مراقبة مثل المسالخ و«الملاحم» والمطاعم وغيرها...
تغييب دور البيطري
يحتاج هذا القطاع إلى التنظيم، لكن ليس بإمكان الأطباء البيطريين الانتظار حتى تنتهي المحسوبيات في لبنان، لأن وضع هذا القطاع بين أكثر أوضاع القطاعات سوءاً ولا حيلة أمام الخريجين الجدد إلا اليأس والهجرة ليس ضمن هدف أكاديمي، لكن لهدف جوهري يتمثل في تغييب دور الطبيب البيطري في الحياة اليومية اللبنانية على الرغم من أن وجوده في كل الوزارات يعدّ حاجة ضرورية. لكن واقع هذا الأمر مختلف، فإذا لحظته هيكلية الوزارة كان وجوده فيها خجولاً وحتى لو كانت تلك الوزارة هي الأهم بالنسبة إلى عمل الطبيب البيطري مثل وزارة الزراعة. ويضاف إلى هذا الأمر إنشاء كلية جديدة للطب البيطري في لبنان ستبدأ بتخريج أطباء عاطلين من العمل سلفاً ولن تفتح أمامهم إلا طرق الهجرة.
تطبيق القوانين؟
يدفعنا هذا المنطلق إلى التساؤل: «هل الشخص المناسب في المكان المناسب؟». للأسف الإجابة عن السؤال تفيد بأن هذا الأمر غير متوافر، ففي القرن الواحد والعشرين لا يزال لبنان غارقاً وفق قاعدة محسوبياته، أي الاستمرار بمنع تطبيق القوانين والأنظمة والحد من تفعيلها وتطوير بنودها بما يتلاءم مع مقتضيات الحفاظ على الصحة العامة.
ذبح أغنام في مسلخ بئرحسن (وائل اللادقي)
وفي هذا الإطار، أين الرقابة على المسالخ ومعامل الألبان والأجبان والملاحم والمطاعم؟ وأين نحن من الأمراض السارية كإنفلونزا الطيور التي دقت أبوابنا وما زالت تدقها؟ ومن يجب أن يتصدى لهذه الكوارث؟ ولا سيما أن ذبح الأبقار والأغنام في لبنان يكون خارج المسالخ ومن دون أي مراقبة طبية معترف بها ومن دون وجود طبيب بيطري، علماً بأن نسبة هذه الحالات ليست ضئيلة، فقد تجاوزت 70 في المئة من مجمل عمل المسالخ.
مسالخ غير شرعية
وتتركز المسالخ غير الخاضعة للمراقبة الصحية في ضواحي بيروت والقرى المحيطة بالأقضية، وفي المزارع الخاصة التابعة لمستوردي الأبقار، إلا أن القانون يشترط لتأسيس مسلخ تقديم مستندات تفيد بأن الشروط المطلوبة مستوفاة (شهادة وتعهد طبيب بيطري يتضمن ويضمن أن تعمل هذه الأماكن تحت إشراف هذا الطبيب، بحيث لا يجوز خلاف ذلك)، وبالتالي على وزارة البلديات التشدد في مراقبة تنفيذ المواصفات المطلوبة للمسلخ بهدف إعطاء ترخيص يراعي موضوع المراقبة الغذائية.
هناك عشرة مسالخ للأغنام والأبقار عاملة في لبنان، ويعمل فيها 12 طبيباً بيطرياً يتوزعون وفق التالي: مسلخان في الشمال (واحد منهم لا يعمل)، مسلخ واحد في بيروت، فيه طبيبان بيطريان، مسلخ واحد في جبل لبنان وآخر في بعلبك (مسلخ في زحلة لا يعمل)، 4 مسالخ في الجنوب: واحد في صيدا ومسلخ صور لا يعمل و 3 مسالخ في محافظة النبطية. ونرى أن عدد المسالخ الخاصة بذبح الأبقار والأغنام يجب أن يكون 16 مسلخاً، على أن يراقبها 17 طبيباً بيطرياً.
وتنتشر مسالخ الدجاج على كل الأراضي اللبنانية، وللأسف لا توجد جهة في لبنان لديها إحصاءات متعلقة بعددها، لكن الأكيد أن غالبيتها لا تتبع الشروط الصحية، وغير مرخص لها بالعمل. كما أن هذه المسالخ غير مراقبة من طبيب بيطري يشرف على صحة وسلامة ما يحصل فيها عملياً.
وفي السياق نفسه تنتشر الملاحم على الطرقات العامة والداخلية، وتشكّل مسلخاً ذاتياً، إذ إنها تعرض الذبائح التي يحوم فوقها الذباب للزبائن، وهي عرضة لدخان السيارات والغبار الكثيف، فتلتقط الأمراض والأوساخ التي تستقر في أجساد الناس حين يتناولونها. ولا يدهشنا منظر «أسياخ» شاورما الدجاج واللحم على الطرقات نأكلها ممزوجة بكل ما تتناقله الرياح من غبار وأتربة وأوساخ. لكن يمكن اكتشاف أبعد من ذلك بمجرد دخول مطابخ المطاعم لترى مدى النظافة المعدومة والقوارض والحشرات.
نمو الإنتاج الحيواني
غير أن واقع المسالخ لا يتطابق مع واقع نمو الإنتاج اللبناني من الثروة الحيوانية، فالفروج هو بين المنتجات الحيوانية الأكبر، إذ تشير الإحصاءات إلى أن لبنان ينتج نحو 72 مليون فروج سنوياً، ونالت محافظة الشمال الحصة الأكبر من هذا الإنتاج، وما نسبته 43 في المئة من مجمل الإنتاج، فيما حل البقاع ثانياً بنسبة 30 في المئة، تلاه جبل لبنان بنسبة 16 في المئة، و11 في المئة للجنوب والنبطية. وتقدر الثروة الحيوانية في لبنان بنحو 76 ألف رأس بقر و 378 ألف رأس غنم و 435 ألف رأس ماعز. ويستورد لبنان نحو 250 ألف رأس بقر حي و575 ألف رأس غنم سنوياً.
وفي ظل غياب رقابة وزارة الزراعة على مسالخ الأبقار والأغنام والدواجن، تغيب أيضاً برامج التلقيح الوقائية الواجب اتباعها. ويجب على الأبقار أن تتلقح ضد الحمى القلاعية والحمى المالطية والتسمم الدموي، وأن تلقح الماعز والأغنام ضد الجدري والحمى القلاعية والتسمم الدموي والحمى المالطية.
المراقبة البيطرية
وفيما يقتضي التنسيق بين الوزارات والبلديات بشأن المطاعم والملاحم والأسواق وطرق مراقبتها الدائمة، بحيث يقتضي تحديد أماكن مجهزة بالتبريد والتهوئة اللازمة لبيع اللحوم والأسماك ومشتقات الحليب وعرضها لقمع أي مخالفة، يجب على وزارة الداخلية والبلديات أن تكافح الأمراض المشتركة بين الحيوانات والإنسان، وأن تراقب، ضمن مهامها المنوطة بها، الملاحم المحلية وأماكن اقتناء الحيوانات والمطاعم ومعامل إنتاج الحليب ومشتقاته. ويتطلب القيام بهذه المهمات توظيف أطباء بيطريين في جميع المحافظات والأقضية أسوة بالأطباء البشريين في كل قضاء.



نفايات المسالخ والملاحم
يقول تقرير برنامج للتعاون اللامركزي بين متروبول ليل واتحاد الشوف السويجاني إن غالبية المسالخ في لبنان تتخلص من نفاياتها عبر طمرها أو حرقها بطرق غير بيئية. والمثال على ذلك أن النفايات السائلة والصلبة الناتجة من مسلخ الكرنتينا تُحَوَّل باتجاه البحر أو تُحرَق.
وينتج لبنان نحو 40 ألف طن من نفايات المسالخ والملاحم، ولا يوجد حتى اليوم معمل مركزي قادر على معالجتها. وهذه النفايات ـــــ بسبب طبيعتها ـــــ هي مصدر لانتشار الروائح والأمراض، ويتم حالياً التخلص منها عبر رميها في الطبيعة بطريقة عشوائية